مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

236

تفسير مقتنيات الدرر

للكافرين : اي لهم عذاب مهين مقرون بالإهانة والذلّ . وفيه اشعار بانّ عذاب المؤمنين ، تأديب وتطهير . وعذاب الكفّار ، إهانة وتشديد . وذلك كله لحبهم الدنيا لشهواتهم . قال عيسى : عليه السّلام لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن ، كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد . قال رسول الله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : اتّقوا الدنيا فانّها أسحر من هاروت وماروت ، ارضوا بدنىّ الدنيا مع سلامة الدين ، كما رضى أهل الدنيا بدنىّ الدين مع سلامة الدنيا . قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : انّ اللَّه لم يخلق خلقا ابغض اليه من الدنيا وانّه لم ينظر إليها منذ خلقها . والقرآن مشحون من ذمّ الدنيا وذمّ أهلها ، مثل قوله تعالى : فامّا من طغى وآثر الحياة الدنيا . ومثل قوله تعالى : ذلك بانّهم استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة . مثال الخلق في الدنيا ، كمثال قوم ركبوا في السّفينة فانتهت بهم إلى جزيرة ، فأمرهم الملَّاح إلى الخروج لقضاء الحاجة وخوفهم المقام ليغرقوا فيها ، فبادر بعض وقضى حاجته ورجع إلى السفينة ، فوجد مكانا خاليا واسعا ووقف بعضهم ينظر في أزهارها ونعمات طيورها ، فرجع إلى السفينة ، فلم يجد الَّا مكانا ضيّقا واكبّ بعضهم على تلك الأصداف والأحجار إذا أعجبه حسنها ، فلم يقدر على رميها ولم يجد لها مكانا ، فحملها على عنقه وهو ينوء تحت ثقلها . وولج بعضهم الرياض ونسي المركب واشتغل بالتفرّج في تلك الأزهار والتناول من تلك الثمار وهي في تفرّجه غير ملتفت إلى النكبات ، فلمّا رجع إلى السفينة ، لم يصادفها ، فبقى على الساحل ، فافترسته السباع والهوام ، فهذه صورة مثال الخلق في الدنيا فتأمّل .